الأوديسة التونسية كاملة : للشاعر التونسي عبدالله القاسمي

Spread the love

الأوديسة التونسية

عبدالله القاسمي

شعر

تونس 2018

جميع الحقوق محفوظة

الإهــــــداء

إلى أبناء شعبي  الذين يتقاسمون الحلم

والإبحار

إلى التي تحاول دائما تأثيث الليل بالفرح والضياء … و التي يولد الصباح على راحتيها كل يوم … إلى منية حبيبة وزوجة

إلى احمد … أسامة …

إلى أمي …

إلى روح والدي …

إليك قارئي ….

إليكم جميعا … نبحر معا في الأوديسة التونسية  .. لعلنا ندرك الحلم و الضياء

تقديم

قبل الرّحيل

الحكاية بسيطة و مؤلمة .. لقد كانوا بحّارة حالمين يرتادون المقاهي و الحانات القديمة .. شعروا ذات صباح إن كمية الأوكسجين لا تكفيهم و لا تكفي أولادهم … خرجوا للشوارع مطالبين الإلهة بجرعة أكبر … خرجوا يطالبون بالهواء و الماء .. خرجوا حالمين بأن تحطّ على أكفهم عصافير خضراء … لم يحلموا بان يكونوا من ملوك البلاد أو من السادة .. فقط كانوا يريدون مساحة اكبر لأحلامهم …

انتصر البحارة في حربهم الأولى أو هكذا هيئ لهم لقد فرت الآلهة تاركة عرشها .. ظن البحارة أنهم انتصروا .. انتظروا أن يتغير شكل النهار و تتغير شكل الملوحة في الدم … كانوا يعتقدون آن الذين استولوا على عرش الآلهة بحارة جائعون مثلهم .. انتظروا منهم الحب .. لكن الشمس التي ينتظرون شروقها لم تجدد ثوبها .. لقد كانت الآلهة الجديدة ساسة جائعون يتغذون من أحلام البحارة …

لقد أكل هؤلاء الساسة أحلام البحارة في الحب و الأوكسجين بل آن المساحات قد ضاقت …

رأى البحارة آن مسافة الهواء لا تكفي و إن مدنهم تحترق بالخطابات و التصريحات فقرروا الرحيل ..

رحلوا خائفين من لعنات الآلهة الجديدة

رحلوا في الصباح.. لا اوديسوس بينهم و لم يتعلموا بناء الحصان الخشبي و لم يشاركوا في حرب طروادة

لقد ركب كبير البحارة ورجاله سفينتهم كما ركب أوديسيوس سفينته ، لم يبحروا من طروادة قاصدين إيتاكا بل رحلوا من مدننا إلى المجهول ، في أوديسة هوميروس  عاصفة أطاحت باديسيوس ورجاله  في ظلمات البحر حتى رمت بهم على شاطئ ، وحين نزلوا أستقبلهم أهل تلك البلاد وحيوهم واعتنوا بهم عناية بالغة ، وأوصلوهم إلى قصر الملك ، الذي أقام وليمةً كبيرة للضيوف ثم قدموا لهم زهرة اللوتس ، وطلبوا منهم أن يأكلوا منها .. لكن في الأوديسة التونسية لا ملوك و لا آلهة ترحب ببحارتنا بل الرحلة بكاملها في ظلمات البحر

 

الأوديسة التونسية

الصباح مفعم  بالعواصف الصفراء

و البحّارة الجوعى يستعدون للوداع،

  يغمغم البحر بلغة  مفعمة بالحزن والأناشيد.

« الموج بلا زبد/ بلا وزن، ينحني.

والرؤى نحلة بيضاء سكرى بالعسل، « 

……………………………………..

  البحّارة الجوعي يطلقون الشراع  و  جثث الأمنيات و سحابات الرغائب الصفراء

كبير البحّارة : أنا يائس من أولي  يا إخوتي و الأحلام  بلا صدى

أنا يائس من أولي يا أخواتي.. و الحكايا جريحة تركتها على المنضدة

ـ أيتها الساكنة تجاويف القلوب و التاريخ

عيناك العميقتان تضطرب فيهما أجنحة الأزمنة و المحيطات.

نهداك  قارات بيضاء … لا طعم في قواربنا  »  ……………………………………..

 البحّارة فراشة ليليّة ترسو على بطنك.

و الأوجاع نسر يحلّق فوقك حين تمشين

هذا هو الحلم  وأنت غائبة عنا .

الماء يمشي في أكفّنا بخطى ثقيلة و الأحلام الملجأ الأخير للفقراء  تئن كمريض…

 النحلة البيضاء السكرى بالعسل.. كانت نحيلة وحيدة …

يصرخ أخر البحّارة الجوعى : عندما كنت أعيش في المدينة، كانت الشوارع مبتلّة بأسمائنا

وكان لهذه الشوارع عاداتها :

حانات الشراب، المقاهي ،أسواق بيع الأحذية و الملابس

الناس  يأكلون، يبصقون، يتنفسون، ولا يغنون

كل شيء كان يبدو مضيئاً،

ما الذي  يمنع الغناء ؟

كل شيء ملتهب .. ما الذي يمنع الغناء ؟

……………………………………

إذا كانت الأيام  ميّتة  فمن سأسأل عن الوقت؟

كيف سيلتحف الربيع الكثير من الأوراق؟

و ماذا ستقول أشجار البرتقال؟

أيكون لشجرة الدفلى من الأوراق أكثر من الحروف و الموج

أتشعر أوراق الكروم باصفرارها فتنتحر؟

إذا كانت الأيام  ميتة  فمن سأسأل عن الوقت؟

هل سيضع الفهد أوزار الحرب ؟ وتتمشى الغزالة بين النجوم ؟

لماذا يرسم المعلم جغرافية الموت ؟

لماذا يكتب كلّ شاعر أكثر من مئة قصيدة حب؟

أيتها الشوارع الميتة : يا تفاحة النار يا عطر المحار الكثيف

أي ضوء دهسه العابرون ينفتح بين نهديك؟

وأي ضوء عتيق سيلامس حواسك؟

…………………

الحب رحلة من الماء والنجوم،

الحب سفر وحرب من البرق  وجسدان يطوفان في عسل واحد.

يكتب الجسد بالقبل أنهارا ، ويحوّل النار  متعاً

الرغبة في الحب قرنفلة ليلية ….

وأنا يا إخوتي وردة من ملح  ..

الحب في البحار العميقة  كالتيه لا يزهر

الحب في البحار العميقة  ينمو غامضاً في الجسم

الحب في البحار العميقة كالعطر الحزين  الذي يفوح من الموج.

أحبك أيتها الأحلام ولا أعرف كيف ، متى ،أين، لماذا ؟

أحبك بلا غاية ، بلا هدف :

أحبك بنهم الجياع  فانا لا أعرف طريقة أخرى للحب،

أحبك هكذا، كما الفقراء ،

احبك أيتها الأحلام  لدرجة ان  صدرك هو يدي

احبك لدرجة أن عيناي تغمضان حين تنامين.

احبك لأنك كل شيء

الدمع والماء و أمل أطفالي  الذي يجري دائماً في الحجارة نبيذا و عسلاً

احبك لاني سأعود في يوم ما  محمّلا بك

او قد لا أعود حياً،

ساترك وصيّتي بأن يبحثوا عني بين الحجارة والمحيط،

في ضوء الزبد ..

ساترك وصيّتي لأقول آن البحر حزين مثلنا وان أسماكه ثكلى

قد لا أعود حيّا

لكني سأعود إلى هنا و لن أقول شيئاً،

فانا بلا صوت، بلا فم،

سأعود إلى هنا وأكون حركة وحشية،

سأكون هنا حجارة وصمتاً.

لا أعرف ماهية الأشياء التي تحلم بها العصافير،

البحر حزين في الخلف، والأرض تبكي

……………………………………..

البحارة الجوعى يقلعون

البحّارة الجوعي يتحسّسون  الأماني المكسورة و الآهات الشديدة الظلمة،

الذكريات تطعّمها الحانات الشعبية  و الحماقات الصفراء التي تنام في النسيان

عتمة اليوم تمضى،

عتمة اليوم  يغذيها الدم الحزين.

………………………………..

يصرخ كبير البحّارة : هناك الكثير من الموتى  والأسماك التي حلم بها الأسلاف و الأجداد ،

الكثير من الأماني  التي تحرقها الشمس،

الكثير من الرؤوس التي تضربها المراكب،

الكثير من الأيدي الحالمة

الكثير من الأشياء التي نريد نسيانها.

 لا أملك جواباً: ويداي مقطوعتان ،

من  الرمال اللامتناهية في الصحراء الكبرى  خضنا ملامح الرياح الخضراء،

قدنا الخيول باتجاه البرق.

الموت و الرعب تدثرناهما كما يدّثر الليل الأرض

نحن على هذه الأرض و البحر بحرنا منذ الزمن المجهول،

من مياهه اغتسلت دماؤنا .

حيث تنتهي الصحراء و السباسب، و غابات الشعانبي،و بحيرات الشمال … ينكسر الكوكب و تشكّل الأضواء أبعادا جديدة

دعوا الريح تمر،يا إخوتي فلن تحملنا.

المدن التي تركناها كانت  ثلجاً ودماً ، رماداً ودخاناً.

خذلتنا الأحلام و الأحبة ..

المدن يحرقُها الليل والحنين يذيب الشوارع الهزيلة

الطرق الطويله يؤثثها الغبار الأعمى

والرياح كالرمح . . . .

أيتها الأحلام البعيدة مدّي ذراعيك ..  أيتها البعيدةُ  دعيني أنشد بين ثدييك طفولتي وأوجاعي .

مزدحم  بالأحلام و الدمعُ يسّاقط  يا إخوتي

البحّارة الجوعى يصرخون : بيتنا غاية  صفراء يموتُ فيها المساء

و تنام في أعتابه أمانينا  البعيدة

 أشجارُ الرمَّان العاريه في باحتها تتكسَّر ولا تزهر في الربيع

 العصافير تهجر شبابيكنا و باحة الدار صحراء .

العصافير لا تستطيع أن تتنهد بحريه

العصافير لا ترفرفَ فوق الظلام

كبير البحّارة يصرح:  أريد التوحّدَ مع الوجع

أريد البكاء فأنا طائر الأغاني في قلبه بستانٌ من الملح

سأحدثكم يا إخوتي عن الليل والخريف والوجع و الشمس اليتيمة في بلادي ..كانت يتيمة ووحيدة مثلي و كنت أضع رأسي على ضفافها  وأذرف دمعه تبرق كصدر امرأة عاريه

فأنا  على علاقة قديمة بالحلم .. والحزن لعبتنا الحنونة

الأسماك  تلوح لي كالشموس العارية و العيون الحزينه

تاريخ المدن كلمات تبرق على شفتيّ .

المركب مثقل  بالتبغ والأمنيات و الحكايا

سأمضي باكياً إلى البحر

سأمضي إلى البحر شبحا غريبا

في صدري القرون الطويلة  المعطرة بالوجع و الشهوة و الأمجاد الطاعنة و المزيّفة

في ألعاب أطفالنا يسري تاريخ الفاتحين  … ستظلّ  الأماني كالقرنفلةِ البيضاء البعيدة

وداعاً أيتها  المدن الكلسيّة و أيها اللّيل الأرجواني

في صدري بين القرون الطويلة  عصفور وحيد حزين و وردة جريحة ،

أودُّ أن لا أموتَ محمّلا بالدموع

 مليء بالحروفِ و القصائد ، والعناوين الغريبة  الداميه

في طفولة حلمت بوطن تربته ذهبا و حجارة كريمة  وبجياد برونزية  ترعى في مزارع الكرومَ والتلال الفيروزية

أما الآن .. مصابيح الشوارع الخلفية عاهرات  نهودها مالحة ،

……………………………………..

اصغر البحّارة الجوعى يصرخ : لنا في كلِّ خطوةٍ حانةٌ وشجرةٌ خضراء ، وفتاةٌ  نهدها عطش .

لنا القصائد والشواطئ وطوابير الرغبات المضطربة .. لنا شهوة الأجداد .. وحمحمة العشاق و لهاث البغايا

كل البيوت مضاءة

كل الأشجار حالمة

كل الطيور مغرّدة

كل السحب مطيرة

كل الأبواب مشرعة

يا إخوتي حكايا العجائز غيلان و ساحرات … حكايا العجائز الأميرات فيها نائمات .. حكايا العجائز كواكب بلا ضحكات

يا إخوتي عروس البحر ليست حلما .. هي الحياة  تمددها لتأخذ شكل وجهك أو راحتيك

عروس البحر الأفق الأزرق المضيء ، حقول النرجس و الياسمين

هي الأماني  الخضراء الوديعة  وأجراس القطط  الأليفة

هي الحمامات التي تبني عشها في اكفّنا

هي  النحلة الوحيدة التي تجمع الرحيق زهرة زهرة

هي  السمك الذي  بين أشرعتنا

عروسا البحر ليست حلما …

هي  الينابيع الجامحة في الجبال

هي القمر الوحيد و الكئيب .. سأمضى في عشقها على مرأى من الليل  ومن الغابات الشوكية

سأزرع رغبتي في أحشائها كالأظافر

وأحترق  في تجاويف قلبها

……………………………………..

آخر البحارة :يا إخوتي أيتها الطيور التي لا تغرد في الربيع

أيتها الأشجار الحزينة في كل الفصول

عروس البحر بشعرها الأحمر  المنسدل  كألسنة اللهيب

وشفتيها اللتين قدّتا من عسل

ونهديها الملتصقين والمفترقين والمنتصبتين أشرعة الرحيل

وأطرافها الخجلة و الحمرة الخفيفة على وجنتيها

كانت حلم كل بيت / كل  قرية /كل مدينة /كل تائه / كل شاعر  لكنها ما تجلت لعاشق

لم تستلم زهرة واحدة

لم تواعد عاشقها المجنون مرّة واحدة

لم تذق شهد الشفاه و لم ترو الضمان  من عرق نهودها

موسيقى الغواية و أغانيها المخادعة  طعنة سكين

عروس البحر خدعة شهرزاد للهروب من الموت

أنا الزهرة المالحة ،

أستطيع الحمحمة و الرقص  حتى يسيل الدم من قدمي

أنا  رجل ورثت ظمأ الصحراء العقيمة  وقحط الأجداد و الحكايات اللامتناهية و مزارع من دخان

كلماتي شعوب جريحة ، وحضارة تواري موتاها . ما حلمت بامرأة بيضاء تحت المياه

الإرداف  المثيرة للشهوة في شوارعنا  و قارات النهود وراء البحر ايها الفاتحون

عروس البحر خدعة شهرزاد للهروب من الموت

يغمغم البحارة الجوعى و يطلقون طيورا هزيلة من الشهوة المخنوقة  و غزلان يتيمة

كبير البحارة : سنكتسح العالم  جبالاً من النهود والأظافر

يصرخ كما الأبكم  ويرفع ذراعين كالبرق

المركب الكئيب لعبة الأمواج في البحر  والريحُ  كما الأجراس

النحلة البيضاء تناست طعم العسل

وأغاني البحّارة جثة عفنة  من القوافي والأوزان

الرموز استوت: الشجرةٍ و الحذاء /الوردة و المشنقة/ الوطن و النار

 الآهات طويلة كالإبر

والعيون  غزلان  جريحة

هل ثمة قصائد خضراء  بعد اليوم ؟

هل ثمة مسافات جديدة في الليل للتسكع

رايات الأماني منكّسة تحت النجوم

هذه الأمواج  مدافع من رياح شوكية …………

 أصوات البحارة تسّاقط كخناجر و الكلمات تحتضر : هل من موت  للخلاص / يا وضّاح اليمن  ليس معنا من المؤونة لشراء الموت  .. نريده موتا عربيا مجانيا كموت صدام حسين او موت طرفة

اصغر البحّارة : عروس البحر ليست حلما

الربيعُ المرتقب يأتي من عينيها

والطيور المهاجرة  في ضوء القمر تأوي إليها

هي قصيدةَ الحب التي يتاجذبها الشعراء وجعا لذيذا و الطلقة المضيئة  للشهداء

هي الولادة الأولى للفجر

هي مع حمّله الثوار و المعتصمون في الساحات

البحّار الحالم : خذني إليها فأنا متشرّد في الأزمنة  وجريح  بطعنات العيون . نشدت الوصال من ليلى و حلمت بقارات الياسمين على صدر عزّة … وكم تمنيت نزال عنترة لأجل عبلة ؟

خذني إليها  .. أحبُّ المطر  الأخضر وأنين الموج المشتعل

كل ليلة أستيقظ من كهوف النوم العميقة  لأفكر بصدر امرأة شهي مرت في الشوارع  ذات يوم

لأضاجع هندا و أغيظ عمرا

لأعاقرَ الخمرة من أقداح أبي نواس

خذني إليها لأقول لها أنني مريضٌ ومشتاقٌ واني من قرّاء كتاب » الإيضاح » و أنزل  » الروض العاطر  » كل يوم … و مفتتن ب »طوق الحمامة  » .

و إنني أتتبع آثار أقدامها بين الثواني في تجاويف القلب

النهود العارية و الموسيقى الحزينة تؤثث الأحلام في غرفتي

أنا أكتبُ الشعر  وأحلم بالعصافير  وأرنو إلى العابرات في السماء العاليه

الوجع و الرغبة نجمتان  تدقُّ أبوابي

والمطر يسّاقط في فراشي

وصدري متخم  بالسعال الجارح  ورياح القفار الموحشه

خذني إليها فانا جائع أكثر مما ينبغي يا إخوتي

آخر البحّارة :  الأزقة في مدننا  يؤثثها باعةِ الخبز و التبغ  والجواسيس

ونحن خيولِ وحشية تعدو على صفحاتِ الزمن

كنا نبكي ونرتعد من كل شيء .. عيوننا باردة تذرف العواصف و النجوم المطفأة الزرقاء

يا إخوتي لا حق لنا في العشق والنحلة البيضاء ذات الجسد المغطَّى بالعسل والجواهر ليست لنا

عروس البحر تسكن حكايا الجدّات مع الساحرات

هي حنينُ الفراشات للنار

عروس البحر خدعة شهرزاد للهروب من الموت

قبل الرحيل ضاجعتُ امرأة في حلمي وكتبتُ قصيدة عن الليل واللون الأصفر  والجياع

كنت أسندُ رأسي على صدرها

ودموعي تلمع كالصباح

فأنا محترف الحزن والوجع شيدت مملكة في الغيوم السوداء البعيدة

الصدور العارية و الأرداف البيضاء في شواطئنا وغيمة العيون الزرقاء لم تمطر في مزارعنا

عروس البحر خدعة شهرزاد للهروب من الموت

البحّار الحالم : فلبي  قرنفلةِ حمراء يمضي كما السّحاب لا وطن

كل ثانية افتح أبوابا قرمزية للعابرات

كل ثانية  أطلق قلبي حمامه  تهدل  للوصال ..

احتاج  أن أموتَ على صدر امرأة ملطخاً بالرضاب و الشهوة .

احتاج ان  أرفع على الأعناق كما الرؤساء لمرة واحدة

فانا  مزدحم  بالحروفِ والقصائد … مللت الدروب القديمة و المواعيد التي لا تصل

احتاج شفاه بيضاء ، تغير شكل الملوحة في فمي،

مللت جثتي و دمي

مللت الشهيق والزفير الذي يخرج من الصدر مع غبار الشوارع و دخان التبغ الرديء في الشتاء

في حياتي الماضية لم أتلق  زهورا أو ورودا .. بل ما أكثر قلائد الياسمين التي وهبتها

كنت الفتيّ المشرّد الذي ضاقت به الطرق

 مللت  خطابات الساسة و الصخور، والميادين  والساحات و دعاوى التكفير و التفجير

مللت الأخبار و النشرات و التصريحات و التسريحات وصناعة الدموع  و الوعود الانتخابية و ما يشاع عن القروض  والتعويضات و التقشف و القوانين الانتقالية و المنوال التنموي القديم

مللت السحب في كلام ساستنا لانها لا تمطر أبدا

 عروس البحر ليست حلما

كبير البحارة :  أيها الحزن .. يا سيفيَ الطويل المجعَّد

اوليس كان اله الماء

كان  كما النسر يبحر فوق الوجع ، و الأفكار الغريبة  تتفجّر من قبضته. كان يدرك سر غزو المدن  و سرّ الحجر، والأسوار العالية .. لا احد  استطاع  أن ينتزع حبّه من قلب زوجته . ثمّة ورود دائماً في انتظاره

كانت له  حبيبة وصديقة ،

كان يتحسس الأناشيد التي خاطتها الآلهة .

له حبيبة يا إخوتي  .

له حبيبة تتكرر حياكة ثوب عرسها لتشغل طالبيها .

لنا الوجع  يا إخوتي  ،  لم نكن عشّاقاً أو أنبياء …  نحن العصافير اليتيمة التي فقدت أمهاتها في الصباح

 عروس البحر آلهة النار ، و الحب حلمنا الموءود

لأن النجوم  التي في السماء ليست لنا .  سنظل نهذي بالحب القديم في مصارع العشاق و الحب الرومنسي في المسلسلات التركية و الحب المجنح في روايات تولستوي ، لكننا ندرك  أن الكتّاب كما الشعراء يخدعوننا . وان ساستنا ملوك مرّوا بقرانا

نحن جوعى يا إخوتي نعاني ألام  العواطف والعواصف و الأشواك و الجمال لكن لا شأن لنا بالحب.

الأسماك  غايتنا و عروس البحر خدعة للعشاق

في الأساطير ثمة آلهة شريرة و في نشرات الأخبار عرفنا ان الساسة ك »السيكلوب  » تتغذّى من لحمنا … ولا اوديسيوس بيننا … سيلتهمون أحلامنا بشراهة الأطفال للحلوى

عروس البحر تسكن الحكايا مع الساحرات

أخر البحّارة : ما عُدتُ أحتمل الحلم

ما عُدت أحتمل الأخبار في قنواتنا الوطنية

ولدت  أحلامي في  الصحراء ثم أسكنتها الشجر و الورد

لن تتذكر إمرة غيابي

أخذتُ  للبحر كلّ ما معي : ما تركت في المدينة غير وجعي و المنفى

أخذت للبحر كلّ ما معي : ما تركت في المدينة غير رغبتي الموحشة والعطش و ما ترسّب من الملح

أخذت للبحر كلّ ما معي : أخذت الحروف المريضة والشهوة الصدئة

أنا ريشة صغيرة سقطت من جناح عصفور في الخريف

خسَرْتِ المعارك كلّها ولم أتعلم بناء الحصان الخشبي

كُلّ كلماتي حكايات ألم و قصة عن الرّياح.  لست اوليس …  أنا السرّ الذي لا يقال لامرأة ..

الكآبات تطوّقني برياحها وأمطارها، وزمن الضباب يتّسع ليشمل كلّ شيء

أ لأنّي كُنت شاعراً سكنت عهد الكآبة ؟

أ لأني كنت شاعرا لم أضع رأسي على  ركبة امرأة ؟

حتى  مريمَ العذراء في حلمي كانت غير ذلك

من الآن فصاعداً لا تضحكوا من غبائي

لم أفعل مع المرأة غير كتابتها

لم أفعل مع المرأة غير قراءتها

لم أفعل مع المرأة غير رؤيتها

لم أفعل غير الجلوس فوق المدينة باتجاه البحر

كنت شبحاً أسْوَدَ  في شبابي لم أكن ملك البلاد أو من ساسة ما بعد الثورة .

لم أكن ملك البلاد ولم تكن لي شهرزاد أحبّها و تحبّني

عروس البحر ليست حكايتنا

البحارة الجوعى يصرخون :  أيتها الرياح  يا شكل البلاد التي نرتجيها  … خذينا عن الضفّة و اعصفي كي توقظي رغبة الأِشجار المنسية

 أيقظي بقع الدّم الراكدة و أحلام أخر الليل

في عيوننا رغبة شوكية مزمنة و عصافير ميتة في الشتاء و جراد  مرّ فوق أجسادنا …

لم نكن نضاجع، كنّا نأكل و ننام و ندخن و نرتاد الحانات القديمة  .. النوائب في الدهر كما النائبات في البرلمان تذكرنا بالنوم على الرّصيف في الشتاءات القاسية

خطواتنا الكئيبة  كما الأجراس في النسيم البارد

كنا نحلم بالمطر في الفراش و نردّد الأغاني و الأشعار

لم نكن حزانى صامتين .. كان لنا بلد و كانت به الأشجار تزهر في الربيع

لم نكن حزانى صامتين … كان لنا بلد و كان به ورد ونجوم و عسل لذيذ

نرحلُ الآن  … بكـآبتنا فوق السماء

نرحل الآن  بعاهاتنا وسعالنا في الصباح الباكر

نرحل ألان … ولن نردّد الآيات الكريمة و الأدعية والأقوال التي نحبّها ونحتاجها للتقرب لله … فهي مخصصة للشيوخ  و للسادة المحتكرين للتوبة …

ليس من حقنا الدعاء في العواصف  لأننا نحلق وجوهننا كل يوم

نرحل ألان … للبحث عن شكل جديد للمدن ولون جديد للنساء في الأعماق بين الأصداف

نرحل الآن بلا هتافات وداع  ولا دموع أمهات..

كنا نمزج البكاء بالضحكات  وننفث دخان لفائفنا القذرة  باتجاه النجوم

و نتحدثُ عن الحزن والشهوة و السياسة و الوطن

كان النّور يصاحبا في  الحانة والمبغى ، في البرلمان و المقهى ، في البحر ،  في صراخِنا ، بين الأصابع الجريحة ، بين أورق الأشجار الحزينة وفي العيون الدامعة و الوقحة … في كل شيء باستثناء خطابات الساسة …

ياربّ .. لن نردّد الآيات الكريمة و الأدعية و الأقوال المأثورة .. لكننا سنبكي صامتين

 لقرون طويلة كنت ملاذنا ،وكنا  نرتدي قمصان يوسف ونتطلّع بعيوننا الدامعة لقصور الذئاب مضاءةٍ  فوق الغيوم

كنا يتامى نرتجي الماء و خيولا وحشية خرجت من الأساطير القديمة

تركنا أقدامنا في الرمال وكنا كالسهام المكسورة

في قلوبنا يجثم الشتاء البارد  و تعرّش أشجار الصفصاف الحزينة

تحت أظافرنا يتجمع الغبار و الدماء المحتقنة

كنا نسير فرادى باتجاه البحر كحبلٍ من المصابيح المضيئة الجائعه في الشوارع الخلفية

كنا نسير فرادى كذئاب احترف القتل

كنا نهتزّ كنسرٍ حلّق  الصقيع

كنا كما السفينة والغيمة  المشردة  …والكلمات المتمرّدة

كنا نحبُّ التبغ والتسكع ونسرتجع ذكريات السنين الداميه

سنفتقد  شوارع المدن التي بصقتنا

سنفتقد الخبز والشعر والليل

سنمضي مع العتمة لنسرع إلى قبورنا

عروس البحر ليست حلمنا … عروس البحر خدغة شهرزاد و الموت وردتنا الصغيرة،

البحّار الحالم : يا اخوتي سأمشي وردة مفعمة بالرؤى

حلما يمتطي  صهوة القمر

وأقول لعروس البحر : هيت لك  …. أطلقي ضفائرك  كحمامة بيضاء

كل شيء مشتعل حولي .. السماء و التراب و البحر و النجوم

لا شيء يمنعني من احتواء الضوء

قلبي غزالة ترعى يتيمة بين المآسي .

كنت أحلم بالنجوم بالمجرّات تنفجر من  شفتيك  ،

وكل الموانئ نهديك

انا جائع و الشّبق يعرّش على شفتي

رغبتي  كما الدخان و جسدي يرتجف كغمامة وحيدة  بين الحقول

أنا مطرٌ فضّي

في صدري فراشات ضوء و بلابل  تائقة للغناء و إله صغير يتحسّس  الفرح

يا خوتي .. عروس البحر ليست حلما .. عروس البحر طير مفعم بالغناء

والرؤى تزهر في الشوارع الأحلام و الياسمين

مزدحم بالحب  و الوله أرنو إلى عاصفة برتقالية  آتية من عينيها ..

عروس البحر  حكاية يتوارثها العشاق و الشعراء

عروس البحر  ترنو وحيدة  فوق أحزاني و قداس أحلامي ..ِ

 أحتاج قلبا غير قلبي، ووجعا غير وجعي  كي لا أحبها

احتاج صدى غير صوتي كي  أغني لها

عروس البحر جرح تبعثر مع الكواكب بين الحكايا ، وحزن الانبياء يمتد مع الضياء

سأمضي إليها صباحا موشّحا بالأحلام

مازلت أتحسسّ الحلم والمشيّ في وطن ساسته من دم الذئاب

 مازلت اخترع أساطير الحرائق : من عليسة و الكاهنة إلى البوعزيزي ، الى الذين اختنقوا بأحلامهم

كبير البحّارة : في عينيّ حلم الجياع و التائقين للموج الأخضر و وصايا الديناصورات

أننا رائحة من غابات موحشة  و هدير حروف متوهجة

لقد كان لنا وطن  و كانت الأحلام تهيم  سحابة خضراء … خذلتنا دوائر الدخان

أيتها الأحلام  يا ملاذ  الفقراء  … الشوارع رضعتها ثدياً ثدياً و السماء غيمة غيمه،  لكني لم أزهر

  حزمت أمتعتي الحزينةَ و رغبتي الباردة

سنرحلُ عن الأرض بعيداً ..  وراء المدن الغارقةِ في خطابات الساسة و الوعود الانتخابية

سنرحل عن الأرض بعيدا … لن يشملنا التحوير الوزاري فنحن جوعى

سنرحل عن الأرض بعيدا … لن يشملنا التحوير الوزاري فنحن عطشى

 سنرحل عن الأرض بعيدا … لن يشملنا التحوير الوزاري فنحن جرحى

سنرحل عن الأرض بعيدا .. كي لا تكون أحلامنا  من جثث العبيد

آخر البحّارة : تائق للرحيل بلا رأفة  …  لآلهة من البحر تسكن جثتي

أشتهي الآن أن أرمم ما تبقّى من حلمي

أشتهي حلما ممتدا و عميقا  كالمحيط

أشتهي الرياح التي تعصف بين ثنايا الروح

أشتهي ضحكات أجدادي الموؤودة و دموع  الأسلاف القديمة التي تذكرني بالديناصورات الآفلة  والعصافير المهاجرة الى قفارنا

اشتهي وطنا محّملا  بالحروف الوردية  أوي إليه كما الطيور البيضاء ترحل عن البراري القاحلة‏

لست سوى تائه يحبو في المجّرة باحثا عن ربيع يتيم

باحثا بين أنامل الجوع، بين أثار الحزن ..عن وصايا الثوار التي دهسها العابرون في ساحة القصبة

المنفى الأسود يطوّقني و وجهي في الموج  ضوءا مخنوقا

سلاما أيتها الارض ….

الليل الرصاصي يطوي جناحه حولي

و أنا في الموج الاسود أغرق .. رؤى الفقراء و الجبال و الصخر و الينابيع مزدانة بالضباب  .. لنرحل يا اخوتي

ـ البحارة الجوعى  يشتهون الحب … و البحر يرتجف في أكفهم

الفجر كتلة من رصاص  والسماء مضاءة بنيازك زرقاء

الشتاء طويل ومرّ هذا العام .. ستظل الحمامات مرتجفة وحيدة ..

الشتاء طويل ومرّ هذا العام .. و الربيع سجين بالتماثيل الباردة

الموج  يصافح السماء و البرد  يتسلل في الشرايين فهدا وحشيا

الوحشة تمحو ملامح المدن  في عيون البحّارة و ما تبقى من الطفولة

……………………………………..

البحّار الحالم : الوردة الصغيرة العارية في يدي .

و عروس البحر نهداها يشقان طريقهما الى صدري،

سأظل احلم بالقمر الوليد على ركبتيها ،

وافجر كل الأنهار في جسدي ، واقرع  أجراس  السماء،

عروس البحر تغمر العالم بترانيم عشقها

كبير البحّارة : صفصافة العمر الصفراء تهوي و الآلهة تموت بداخلي

 أيتها الرغبة  الجريحه .. أيتها الوردةُ المتحجرة في القلب

كم حلمت بالقمح الذهبيّ من ثدييك عسلا وخمرا .

الرؤى معتمةٌ في مدننا .. والأرض تقذفنا للبحر

أيها القلب ترجل عن جوادك الذهبيّ .. الأغاني قطيع ميت على الضفة الحجريه

والعيون تقرع  نواقيس الدخان  .

أيتها البحار المكسوةُ بالزّبد و الحكايا و الألم وخطابات الساسة الاميين

أيتها البحار التي ترافق  غربتي دعيني انطفىء كشمعةٍ / أتألّم كالماء

أيتها البحار…. هذه الرياح المقبلةُ من الأساطير  لتحصي جراح  الأرض وانين المراكب ودموع الفقراء

كان لها أن تعلن الحرب في التواريخ البعيدة  والمحيطات الخيالية

لن نلقي المرساة ولم تعد  الأرض جديرة  بالغواية

نحتاج أرضا لأحلامنا المنتظرة ، حيث  للمياه طعم الدم.

 نحتاج أرضا  لم يزهر فيها الربيع العربي

حيث تكتسب الحروف مدارات جديدة

و يكتسب البحر معناه الأزرق والنار حمرتها ،و الأمواج انكسارها

العاصفة قاسية جداً وللريح غضبها الأسود في جسدي

في الصّغر حلمت بالنجوم الخضر، و بالنّسور التي تحلّق في يدي ،

في هذا العالم المعكّر بالثلج ولدت فقيرا حالما

في هذا العالم المعكر بالثلج ولدت شاعرا عاشقا

الهواء في وطني اشدّ مرارة

دعوا الرّيح تمر، لتحملنا.

دعوا الريح تتلبّس بالزبد وتلبسنا

ما تركنا شيئا في المدن … الشّمس التي نحبّها ترحل معنا

الفجر الذي يولد من جديد في تجاويف قلوبنا

الوطن الذي نرتجيه برغم القيود طويناه في حقائبنا

النحلة الذهبية  سكرى بالعسل .. سنمضي تتقاذفنا الرؤى الغامضة  يا إخوتي

البحّار الحالم  : سنمضي للرؤى .. ما تركنا في المدن شيئا

تركنا الكثير من الدماء / الكثير من الحروب /الكثير من الرعب /الكثير من السّاسة /الكثير السحب

ما المدن،و ما كانت؟ نجوم مطفأة و ساحات للصراخ . لا شيء آخر .

سنمضي مع الرياح …

أنصتوا  إليها في تجاويفها .. عروس البحر ملكتنا المنتظرة

ثغرها ممتدّ  لا حصره له

أنصتوا إلى غنائها  تناديني .. تبحث عني في الأساطير القديمة

أيتها  الرياح أطلقي أحصنتك …

اشتهي أن أنام مستريحاً إلى جوار حبيبتي

أن أضمها عارية،  وأضعها في  يداي

وأرفعها إلى فمي قطعة من الحلوى ،

لا نساء أعظم منك

لا نساء أصفى منك

لا نساء أجمل منك

حين تتجلّين لي  تتفجر كل الأنهار وتقرع الأجراس

ويفيض التنور بالترانيم

تنتظرني  من زمن بعيد كما لو أني قد عانقتها من قبل

كما لو أنها داعبت بلطف  جبيني وصدري

نعومتها فوق البحر،

في المدينة لم يكن لي  الجناحان لأطير كما الحمائم الذهبية،

في المدينة بحثت عنها، صعدت المجرّات بسلالم

وغصت في الصخور البعيدة ،

في المدينة تركت الخبز و الهواء ، ولم اترك ضحكتها.

كنت أعود إلى المنزل متعب العينين من تحديقي كامل اليوم في البحار البعيدة ،

مازلت اسمعها في السماء  باحثة عني،

عروس البحر ليست حلما … هي الحياة  تمددها لتأخذ شكل وجهك أو راحتيك

عروس البحر الأفق الأزرق المضيء ، حقول النرجس و الياسمين

هي الأماني  الخضراء الوديعة  وأجراس القطط  الأليفة

هي الحمامات التي تبني عشها في اكفّنا

هي  النحلة الوحيدة التي تجمع الرحيق زهرة زهرة

…………………………………

يا إخوتي الشجرة التي عشقناها لم تنجب للصباح وردة واحدة ، لم تعزف للمساء أغنية ،لم ترو لليل حكاية  ، ولم تعشق واحداً منّا.

الشجرة التي عشقناها و نمنا تحت ظلالها حوّلوها أفعى ناهشة لعظامنا.

الشجرة التي عشقناها تمرّدت على عرقنا ،حوّلوا أغصانها صلبانا ومشانق

العصافير التي تحطّ عليها  تضربنا كما النيازك

الشجرة الوحيدة على أرضنا

لم تغمرنا بظلّها بالطول والعرض والعمق والعلوّ.

الشجرة الوحيدة على أرضنا كلّ ساعات الفرح  وأجراس العودة  وعطر الأحبة . هي التاريخ والنهر.

الشجرة الوحيدة على أرضنا نخاف فقدانها

الشجرة الوحيدة على أرضنا أحلم أن أدفن نفسي تحت ظلها

الشجرة التي عشقناها و نمنا تحت ظلالها أفعى ناهشة لعظامنا.

الشجرة التي عشقناها تمرّدت على عرقنا

……………………………

أصغر البحّارة : سيكون الموج شكل البلاد التي ما تجّلت

في البحر لا تطلق العصافير النار على نفسها.

على الضفّة فقدت رغبتي في الأِشجار

على الضّفّة أوصدت الباب المُؤدّي إلى الحدائق و الشوارع و الأشجار وتركت القلب مفتوحا على الخيال.

في البحر لن يكون الفناء صديقا لنا

في الوطن يشحذون حرابهم لقتلي …  سأصنع سلامي معك أيها البحر.

في الوطن شاهدت العصافير هاربة من الغناء.. شاهدت الذئاب تحيي اعراسها / شاهدت الثعابين ترقص رقصتها / شاهدت النسور تواري شقهتها

في الوطن يشكّل الحبّ عاصفة عمياء ويكون الجنون على شكل العشق .

في الوطن كانت ابتسامتي حمامة جريحة تُغالب حزنها، وتُرمز للسلام في خطاب الساسة .

في الوطن كنتُ هاربا من ظلّي  وصرتُ أُستطعم الذلّ أيضاً

الذّل السائل، الذّل المندفع بشلاّل الذنوب الذي لا تُغفر أَبداً : ذنب الأرض التي يدور حولها القمر،

ذنب المحار الساكن في الأعماق

في الوطن كنت المهمشّ دائما .. والشاعر الذي ترفض قصائده والعاشق الذي تتمنع الحبيبات من لقائه ..

………………………………..

اخر البحّارة :أنا يائس من أولي  يا إخوتي و الأحلام  بلا صدى

انا يائس من أولي و الاحلام في الخريف كما في الوطن اشدّ مرارة

أحتاج ضحكتك مثل القصيدة التي طال انتظارها، القصيدة الخضراء ،القصيدة التي يشتهيها العشاق و الشعراء

وطني الذي أحبه حرمني  الخبز و الهواء و الضوء،

لن احرمه الحب و الدموع ككل الفقراء

هل تعرفون يا إخوتي  من أين جئت؟

من تربته التي تنضح بالعطش وجباله التي تئن بمياه أمطار الخريف …

هكذا ولجنا عتاب  العالم…فقراء جدا … كل الورود  فريسة حمراء لساستنا،

 من الأماكن العديدة ولجنا العالم ، من الماء والتراب، من النار والرياح ،

 من  كل مكان ناء، في خريطة البلد

  ما يوحّدنا هو الحبّ الرهيب الذي يكبّل أيدينا و قلوبنا ، ويأسر النجم في أحلامنا،

كنت أحلّق فوقك حين تمشين مثل عاصفة عظيمة متمرّدة

وحين يُذيبُ الحبُّ الشّمعَ ، أهوي فوقك لأحملك إلى الأعلى … أعلى من الأحلام .. أعلى من أطماع السّاسة ..  أعلى  جشع الأغنياء .. أعلى من جوع الفقراء …

في عاصفة صاخبة من الحبّ ..  عاليا في زورقي المكسو بالثلج  في مستقبل أولادي الغامض

أحملك  غطاء من الريش لتحلقي فوق العالم  ، ساكنة، في الأعالي.

ما يوحّدنا هو الحب الرهيب الذي يكبل أيدينا وقلوبنا ويأسر النجم في أحلامنا،

مثل عاصفة عظيمة متمرّدة

البحّار الحالم : ذاتي متوهجة كمعدنٍ تحت المطرقة

و ذلك الحب الذي يتراءى حلمت ما قبل الولادة

سنولد من جديد ذاتاً أبديّة

سنمضي  بلا جروح  حتى ندرك الموت  كذلك الحب هو خَيَالُ الموت،

اصغر البحّارة : عندما لم يكن شعري مقصوصاً على جبيني .. ولا أعرف تأويل قبلات ابنة الجيران

عندما كنت أنزل البحر عاريا … لعبتُ عند بوّابة المدينة ، و قطفتُ الزهور البريّة لأمي .

كنت كحصان يجري، ركضتَ حول المكان الذي تجلس فيه الشمس، وأخذتَ ألهو بالنجوم الزرق.

لم يتسلَّل الشكٌّ و الهموم  إليّ، ولم اعرف الكره لاني لا اسمع المذياع و الخطابات ، ولم أقرأ البيانات  .

عندما لم يكن شعري مقصوصا على جبيني لم أضحك مطلقاً على انحناءات الأشجار الخجولة.

كنت أخفض رأسي أمام العابرات  وأنظر إلى الأمام . لم أنظر مرّة إلى الخلف.

في السنوات الأولى ، توقّفت عن العبوس يوم عرفت ان لي بلدا ، تمنيّت لو أني غبار الفاتحين التي مرّوا و الدينصورات التي افلت و الشموس التي ستشرق …

الطحلب الآن صار أسود ، بل طحالب كثيرة بالمدينة … الطحالب يصعب إزالتها!

و أوراق الاشجار سقطت مبكراً في هذا الربيع الخريف،

وانا سقطت في الريح. و شرانق الفراشات تصفرَ ، والطّحالب  تهجر البحر لتغزو الحديقة ؛

يبدو أنني تقدّمت في السن  يا إخوتي … واحسرتاه

صوتي  قاحل

وأنفاسي ريح تهبّ على عشب يابس

لم أعد أجرؤ على التحديق  في الأحلام…

في المدينة أحلامنا رتيبة و مفزعة كما الموت

و لم يعد ضوء شمس ينسكبُ على أكفنا و الأشجار تراقصنا وأصوات الريح تغنّي…

أصواتنا  أكثر بُعداً وأكثر ألما  من نجم يحتضر

دعوني  أرتدي البحر ، دعوني  أحاكي الريح في حركتها

وليكن  موعدنا آخر اللقاءات في مملكة الشفق المرّ .

اصغر البحّارة : في الثانية عشرة من عمري  لم أضحك مطلقاً، كنتُ خجولا.

كنت أخفي رأسي وأنظر إلى عيون معلّمي .

الجدار يدعوني إليه ألف مرّة،و الطرقات من حلوى

تمنيّت لو أن غباري الطبشور من يد سيّدي يمتزج بغبار الروح

الطحالب الآن صارت موغلة في المدارس ، الطحالب توغّلت في المدينة … يصعب عليَّ إزالتها!

الخريف مبكّر هذا العام و الأوراق سقطت مبكراً ، سقطت مع ترددات البثّ في إذاعاتنا الوطنية .

شرانق الدم الحمراء اصفرَّت في بداية السنة .

والعشب الذي يكتنف الحديقة الأمامية للمدرسة  يؤلمني …

يبدو أنني تقدّمت في السنّ ونسيت شكل المعلّم .

عندما كنا نهمس لبعضنا بأصواتنا القاحلة ، كنا كما الرياح تهبّ على عشب يابس

أو كثعابين  تزحف على زجاج مكسور… كنا نخاف المعلّم ونحبه

كنا أشكالا تبتغي  هيئة، وظلالٌ ترتجي اللون

كنا دمى مشلولة تومئ بلا  حركة. كنا نخاف المعلّم ونحبّه .. كنا نحلم و لم تكن ثمة طحالب في المدينة

كبير البحّارة :  الضمادات تعوزنا لنضمّد جراح الكون

فكم من الإبحار يلزمنا  لنقنع الماء بتطهّرنا من ذنوبنا

وكم من موجة  ستفصلنا عن الذاكرة

وكم من عاصفة سنجتازها لاستعادة الضوء

سننساب بين تجاعيد الموج  والمحيطات الغريبة

لن نقذف المرساة فليس في الأرض غواية ، وليس في الأرض منأى للفقير عن الأذى وليس في البحر ساسة جائعون

سنقول للبحر : أيها السيّد  .. هيت لك

نحن البحارة الجوعى … نحن الأشجار الحزينة و  النحلة المثابرة على العسل

سنمضي مع البحر فلا الثورة ثورتنا و لا الحلم حلمنا

نحن الرجال المحشورون في المدينة مثل وسائد القشّ.

أحلامنا صحارى قاحلة … مدجّجين بالصمت الأزرق والرغبات الموحشة

وجوهنا أشكالٌ بلا هيئة، وظلالنا بلا ألون

سنعبر مملكة الموت بجسارة …

 لا تتذكّرونا مع الأرواح الشرّيرة

لا تصنّفوننا مع الثّوار و التائهين  .. ولا مع العشّاق و الأنبياء و لا الشعراء

في مملكة الموت أصوات الرياح تنشد و ضوء الشمس ينسكب متعرّجا و الأشجار تتراقص

في مملكة  الموت يستوي الساسة و الفئران … البوم و الملوك ..

في مملكة الموت  نسير فرادى

وننسى طعم الشفاه  التي تُقبِّل

فالعيون الجميلة ليست هنا…

والاجساد المغموسة بالعسل ليست هنا

ولا ﺃماكن للّقاء

المساءات  الشتائيّة اللذيذة بطعم الوجع تسترخي في أحداقنا

لسنا سوى شرائح لحم في ممرَّاتِ الموج

لم نترك لكم سوى أعقاب أحلام مُحترقة من أيام مُدخّنة و بعض النفايات الوسخة من جوعنا

الرغائب الذاوية انتعلناها في أقدامنا … وتركنا في زاويةِ الشارعِ مواعيدنا الوهمية  تفوحُ شاحبة  بنشيج السكارى ..

تلك الإقدام الموحلة التي تطأُ مدينتكم سنقطعها

في مدائنكم  لم نكن نشاهد التلفاز بل نرصّف في الذاكرة كل ثانية ألفَ صورة قذرة

حاولنا  ألف مرة،‏ أن نصنع اتفاقية سلام معكم ،‏ وهبناكم مع الضريبة الفؤاد والحبّ ،

ها نحن في البحر سارية بين رياح متصارعة، لكننا لن نحترق هذا الشتاء، ولن نرتجف هذا الصيف.‏

سيعتقل الماء دونكم الوجع والوحوش الشرسة،‏

والليل لن يكون بطعم  منابركم الحوارية ،‏ سينام في فراشه الوفير مع العذاب الذي قصفتنا به خطاباتكم

…………………………………

أيها البحّارة الجوعى، أيتها الورود اليابسةُ في القلب

الحلم وحده لا يكفي

الحلم الذهبيُّ التائهُ  في المحيط أثقل من الرّصاص

الحلم المتعتم في الليالي بين الثلوج والمغاور

الحلم الذي حمّله الثوّار والشهداء قبل ركوب الجياد الذهبية لم يبق منه الا الأنين التائهُ في السّاحات

ينشدُ أغنيةً جديدةً حزينة  للأطفال وللزهور الميتة على الضفاف

الوجوه مكسوة بالثلوج والحجاره والألم  يرافقهم في شكل غربتهم

الرغبة شمعةٍ تطفئها  الرياح والموتُ المعلقُ  يلج الصدر كبسمة الفتاة الجميلة

هذه السحابةُ المقبلةُ أظنُّها الموت

البحّارة الجوعى صامتين لا نجومَ فوق المركب … حزانى في أواخر الليل صامتين .. هل سيأتي الفجر قبل العواصف الصفراء؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سيرة ذاتية  عبدالله القاسمي

 

ولد ببني خلاد ولاية نابل  من الجمهورية التونسية في 21/09/ 1967
زوال تعليمه الابتدائي بمنزل بوزلفة  والثانوي بسليمان
والعالي بكلية الآداب بمنوبة ومنها تحصّل على الأستاذية في اللغة والآداب العربية  ثم على الماجستير و تحصل على ماجستير متخصص في الفلسفة الاسلامية
يشتغل أستاذا أول بالمعاهد الثانوية التونسية والصحافة

تحمل العديد من المسؤوليات في عدد من الجمعيات

كان عضوا بالهيئة المديرة لاتحاد الكتاب التونسيين المكلف بالفروع و النوادي واستقال سنة 2013

الكاتب العام للاتحاد العام لكتاب تونس (قيد التأسيس)

حاصل على مفتاح مدينة باتنة الجزائرية بمناسبة خمسينية استقلال الجزائر

تحمل مسؤولية كاتب عام فرع اتحاد الكتاب التونسيين بنابل قبل ان يستقيل
عضو اتحاد كتاب الانترنيت العرب

كاتب عام جمعية عشاق تونس الثقافية و رئيس جمعية  » الصالون الثقافي رؤى ابداعية « 

صاحب جريدة الديار التونسية و هو حاليا رئيس تحريرها

يشتغل حاليا باذاعة البحر المتوسط تونس
كتب الشعر : له6 دواوين
ـ سفر في فصول اللغات
ـ أزمنة اللون والجسد
مرافئ الضوء

  • مدائن الحزن

  • بستان النرجس و الياسمين

  • هلوسات شاعر عربي

  • الاوديسة التونسية

  • له كتاب نقدي بعنوان  » بلاغة الكائن اللغوي »

من ابرز دراساته النقدية المنشورة في الدوريات العربية
ـ بلاغة الكائن المرئي « مدخل نظري في دراسة التوزيع البصري في الشعر الحديث « 
ـ البعد التعبيري والنفسي للإيقاع في الشعر الحديث
ـ تونس قرن من الشعر : الشابي ليس يتيما وفي الغابة أشجار أخرى
ـ نحو مراجعة النظرية الإيقاعية للشعر العربي
ـ دفاعا عن الحداثة وقصيدة النثر
قراءات لبعض الدواوين في الشعر التونسي
نشر العديد من المقالات الفكرية في عدد من الصحف والمواقع العربية في تونس والوطن العربي من ابرز مقالاته
– كيف أبكي زوال شعبي
– من هو شافيز ولماذا هذه المواقف المساندة للعرب
هذه خطورة قناة الجزيرة وعلى الإعلام العربي تحمل مسؤوليته
– حرب الخليج وسقوط المشروع الوحدوي العربي

وله كتاب مخطوط بعنوان  » سنوات الوجع العربي « 
ـ له رواية مخطوطة  بعنوان « الكادرة « 

ـ وعدد من الاقاصيص

ـ وبعض المخطوطات الشعرية الاخرى

له مسرحية بعنوان الدوامة مثلتها الفنانة صونيا الجزائرية و اخرجها المخرج العراقي « سلام الصكر  » وحصلت على العديد الجوائز

له مسرحية ثانية بعنوان  » القواد »

أشرف على العديد من النوادي الأدبية وهو كان يشرف على نادي الشعر باتحاد الكتّاب التونسيين فرع الوطن القبلي والنادي الأدبي رؤى إبداعية بسليمان
نشر الكثير من القصائد والمقالات الأدبية بعدد من الصحف التونسية والعربية
له مئات القصائد والنصوص والمقالات المنشورة على الانترنيت في كافة أنحاء العالم
عضو في اشهر المنتديات الأدبية والثقافية العربية والعالمية

ـ ترجمت بعض أعماله الى عدة لغات اجنبية كالرومانية و الانقليزية

كرم من عدد الفعاليات الثقافية و الوطنية اهمها منحه لمفتاح مدينة باتنة عاصمة الاوراس بالجزائر

 

 

 

 

Please follow and like us:

Soyez le premier à commenter

Poster un Commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*